‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسالة الأسبوع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسالة الأسبوع. إظهار كافة الرسائل

واجبنا نحو إنقاذ الأقصى واسترداد فلسطين

رسالة من أ.د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:
فإن المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله e ومنه كان معراجه إلى السماوات العلى... وإن فلسطين وديعة محمد صلى الله عليه وسلم عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، ولذلك فإن فلسطين والقدس جزءٌ من عقيدة الأمة الإسلامية.. والتفريط فيها تفريط بكتاب الله، وفى ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل إخوانه الأنبياء وحضارة الأمة وعقيدتها. وإن التنازل عن أي جزءٍ منها لليهود أو لغيرهم، بل إن مجرد الاعتراف بأي حقٍّ لغير المسلمين فيها، ليس ملكًا لشخص، أو جهة، أو دولة، بعد فتح المسلمين لها، وإقرار الله لنا فيها.
ومن أجل ذلك كان الواجب على كل مسلم - عربي وغير عربي - أن يجاهد بقدر استطاعته؛ لتخليصها من نير الاحتلال، واستردادها من أيدي الصهاينة المغتصبين، وإعادة أهلها المشردين، وتخليص رجالها المأسورين ونسائها المقيدات في سجون الاحتلال، وإن لم نفعل ذلك فالمسلمون جميعاً آثمون.. وخاسرون.. وستدور عليهم الدوائر، ويلحقهم ما حل بإخوانهم في فلسطين..
اعلموا أيها المسلمون أن الجهاد فريضة ماضية إلى يوم القيامة، وأنه ذروة سنام الإسلام، وأول مراتبه إنكار القلب، وأعلاها القتال في سبيل الله، وبين ذلك جهاد اللسان والقلم واليد وكلمة الحق عند السلطان الجائر، ولا حياة لأمة، ولا نهضة لدولة، ولا صيانة للحقوق، ولا محافظة على الأرض والعرض والأموال إلا بالجهاد في سبيل الله (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ) (الحج: 78). وقال الله تعالى: =481;إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ=480; (التوبة: 111). فإذا كنتم بإيمانكم قد ِبعتُم لله أنفسكم وأموالكم؛ فهذا وقت البذل والتسليم، فأَوفوا بعهد الله يوف بعهدكم.
واعلموا أنه ما تخلت أمة عن الجهاد إلا عذبها الله وأذلها..: @831;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ@830; (التوبة: 38 – 39). وعَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه e يَقُول: «إِذَا ضَنَّ النَّاس بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذْنَاب الْبَقَر، وَتَرَكُوا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه: أَنْزَلَ اللَّه بِهِمْ بَلَاء، فَلَا يَرْفَعهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينهمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح.
أيتها الأمة المسلمة: إن سبيلنا الوحيد لصد الهجمة الشرسة عن أرضنا، واسترداد عزنا ومجدنا، لا يكون إلا ببذل النفس والمال والوقت والحياة، وكل شيء في سبيل غايتنا النبيلة ألا وهي المحافظة على الدين والوطن، واسترداد المغتصب.. وهي غاية تحفظها كل الأديان السماوية، وترعاها وتقرها كل القوانين والهيئات والمواثيق الدولية.. بما في ذلك هيئات الأمم المتحدة..
واعلموا أيها المسلمون أن القوة التي يستدعيها الجهاد تنبع من حسن إخلاصكم، وقوة إيمانكم، ومتانة أخلاقكم، وقوة اتحادكم كالبنيان المرصوص: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف: 4) عَنْ أَبِي مُوسَى رضى الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. البخاري. وبعد قوة الإيمان والاتحاد إعداد ما نستطيع من قوة، وإن لم تكن كقوتهم: @831;وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ=480; (الأنفال:60).
لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين:
أيها الحكام العرب والمسلمون: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وقد لدغتم من الصهاينة والأمريكان مرات ومرات، فلم تتعظوا، ولم تتبصروا، خدعكم عدوكم كما خدع سلفكم، ودعاكم إلى موائده فلبيتم، وما رأى منكم في كل الحالات إلا المجاملة، واستمرار المعاملة، وما آنس منكم إلا التهافت على أعتابه، والتعلق بأسبابه. فازداد صلفاً وغروراً، واستشرى في عتوه وفساده، وطالب بالمزيد من القهر والحصار لشعب يعاني الأمرين على مدى قرن من الزمان.. ولم يستح أن يجعل منكم الحبل الذي يلفه على أعناق إخوانكم، ولم يتورع أن يتخذ منكم سهاماً يغرسها في نحور بني جلدتكم وأبناء عقيدتكم، بل عمل على أن يبني منكم سداً منيعاً لحماية أبناء صهيون، وإمداده بكل مقومات الحياة .. ألا ساء ما تزرون.. وبئس ما تصنعون. (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).
أيها الحكام العرب والمسلمون: اعلموا أن السلام الذي يريدونه في الشرق الأوسط هو أن يغلق العرب أعينهم عن دم إخوانهم المهراق، وأن يصموا آذانهم عن صراخ الأرامل والثكالى والأيتام والمفجوعين كل يوم، وأن ينسوا ملايين اللاجئين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، وأن ننسى عشرات الآلاف في سجون الاحتلال في الوقت الذي ضجت فيه الدنيا بالصراخ والعويل على "شاليط" الجندي الأسير، وهبت الدنيا من كل حدب وصوب لتخلصه بينما أسرانا لا بواكي لهم، ولا أحد من المسلمين أو شرفاء العالم يسعى لفك قيدهم، والسراب الخادع المدعى بالسلام يريد منا أن نتخلى قبل كل ذلك وبعده عن كرامتنا كأمة اغتصب جزء من أرضها بالحديد والنار؛ لتقوم فيه دولة متوحشة على أنقاض جثث بريئة، ودم عزيز، وأعراض منتهكة..
أخبروني بربكم: ماذا أخذتم من التفاوض على مدار ستين عاما، وأنبؤوني بالله عليكم هل توقف الصهاينة عن توغلهم السرطاني في أحشاء الوطن وسراديب الحكومات حتى غدت ألعوبة يحركها الصهاينة والأمريكان.. وحتى إنهم ليعتقلون كل من يهم لنجدة إخوانه في فلسطين، ويسجن كل من يقدم لهم المساعدات، والأدهى من ذلك كله أن يحولوا بين الشعب وبين أن يتضامن مع إخوانه بالوقفات السلمية، ويسحقون كل من يقف لإعلان رفضه لما يراد بالأقصى، ولما يخطط لفلسطين.. ولا يَسْمَحون لنا بما يُسْمَحُ لكل الناس في بلاد الدنيا.. فهل نحن من عالم آخر، أو من كوكب آخر..
أيها الحكام العرب والمسلمون:
كفاكم تجريبا في المفاوضات.. واعلموا أنهم لا يفاوضون من أجل أن يُرْجِعوا إليكم شيئا مما اغتصبوه واحتلوه، وإنما لتمنحوه صكاً بأحقيتهم لهذا الجزء المغتصب، وبعد ذلك يواصلون الاغتصاب، حتى يقيموا دولتهم من النيل إلى الفرات.. وإن قرار هيئة الأمم المتحدة بالاعتراف بدولة الصهاينة قرارٌ من هيئةٍ لا تملكه، وهو بعد قرار باطل، جائر، ليس له نصيب من الحق والعدالة، ففلسطين ملك العرب والمسلمين، بذلوا فيها النفوس الغالية، والدماء الزكية، وستبقى إن شاء الله- رغم تحالف المبطلين- ملك العرب والمسلمين، وليس لأحد- كائنا من كان - أن ينازعهم فيها، أو يشطرها، أو يمزقها.
أيتها الأمة المسلمة:
إن واجبنا كأمة مسلمة نحو فلسطين واجب عظيم، ودورنا في نصرتهم جد خطير:
1. وإن من أول الواجبات أن نخلص نيتنا، ونجدد إيماننا، ونصل أنفسنا بالله، ونستعين به، ونتوكل عليه في كل أعمالنا وجهادنا وتضحياتنا.. ثم نوقن من أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وفيه عزنا ومجدنا..
2. أن تغرس كل أسرة مسلمة في قلبها وقلب أبنائها أن قضية فلسطين قضيتها الأم، وهمها الأكبر، وشغلها الشاغل، وأن تلقن ذلك لأبنائها وبناتها تلقيناً، وأن ترضعهم في المهد لبان حب الله وحب رسوله وحب الجهاد في سبيل الله، وأن حب فلسطين والمسجد الأقصى من الإيمان.. وأن تحصنهم بالمصل الواقي ضد دعوى المساواة بين الجهاد والإرهاب، وأن الجهاد تضحية في سبيل رد المغتصب والدفاع عن العرض وطرد المحتل، ولتكون كلمة الله هي العليا، وأن الإرهاب هو الاحتلال لبلاد الغير، والنهب لخيراته، وإفزاع أهله الآمنين، وإراقة دماء الأبرياء من أبناء الوطن ونساءه وأطفاله..
3. مساندة المحاصرين ومساعدتهم بما يقدر عليه كل مسلم ومسلمة وقديما أطلق الإخوان «قرش فلسطين»، واليوم على كل مسلم ومسلمة أن يجعل في ميزانيته سهم لمساعدة إخوانه المحاصرين وليكن باسم: «جنيه فلسطين» في كل شهر على الأقل، ومن زاد زاد الله له.. ويربي الأبناء على أن يقتطعوا من مصروفهم لدعم الأطفال واليتامى والمشردين من أبناء فلسطين..
4. ومن لم يقدر على الجهاد بالمال فإن من واجبه أن يمتلأ قلبه بحب المجاهدين حباً يدفعه لأن يبصر الناس بعدالة قضيتهم، ووجوب نصرتهم، وأن يحث الناس على التبرع لهم.. وأن يسهر الليل مرابطا بالدعاء في جوف الليل بقلب مكلوم، وفؤاد مجروح، أن يرفع الله عنهم الكرب، وأن ينصرهم الله.. وسهام الليل نافذة، ولا تخطيء الهدف.. (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(التوبة:91)
5. المشاركة في المسيرات والوقفات التضامنية مع المحاصرين والمدافعين عن الأقصى والمقدسات.
6. الاتصال بإخواننا في فلسطين بالهاتف وشبكة المعلومات العنكبوتية للشد على أيديهم، والإعلان عن مساندتهم وللوقوف بجانبهم وتقديم كل وسائل الدعم اللازمة لمواجهة العدو وأننا بجانب ذلك لا نفتر من الدعاء لهم..
يا علماء الأمة وقادتها:
إن حمايةَ الأقصى وعودة فلسطين منوط برقابكم، وفرض عين وواجب عليكم، فأنتم حملة الرسالة، ومن أعظم الواجبات عليكم أن تبينوا للأمة دورها في نصرة فلسطين، واسترداد المسجد الأقصى من الصهاينة المغتصبين، وتتقدموا ركبها لتحرير فلسطين.
وقديمًا قال الأزهر كلمةَ الحق مدويةً فتجاوبت معها جنبات الأرض، ودعا إلى الجهاد فلبَّى القاصي والداني من المسلمين في الشرق والغرب، وقديمًا رأى الفرنسيون أن المقاومة لن تهدأ إلا بالقضاء على الأزهر فدخلوه بخيلهم.. وعاثوا فيه فسادًا.. فقتل قائدهم واندحروا على أعقابهم خاسئين.
وإن من واجبكم أن تعملوا على إقامة ميزان العدل وإصلاح شؤون الخلق وإنصاف المظلوم والضرب علي يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري =556; عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر». أبو داود. وعن جابر رضى الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله». ابن ماجه بإسناد صحيح.
يا مؤسسات المجتمع المدني:
الوطن حق للجميع، وكل أرض دخلها الإسلام هي وطن للمسلم، وفلسطين والأقصى أمانة في أعناقنا جميعا، ومن ثَمَّ وجب على الجميع العمل على نصرتها كل في دائرة مسؤوليته انطلاقاً مما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ - وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». البخاري ومسلم.
فالأستاذ في الجامعة والمدرس ومدير المصنع ومسؤولي النقابات والصحف وأجهزة البث المرئي والمسموع الجميع مطالب بمناصرة فلسطين والتأييد لأهلها وتوعية كل فئات المجتمع بواجبه نحو فلسطين، وفضح كل مخططات الصهاينة والأمريكان، وتقديم النصح الخالص للرؤساء والحكام والملوك حتى يقوموا بواجبهم نحو المقدسات، وإن الجميع مطالب بتحمل مسؤوليته نحو الخطر الداهم الذي سيأتي على الأخضر واليابس والذي سيطال الجميع حتى من أيدهم وساندهم ومالأهم ولتعلمن نبأه بعد حين..
وما أعجب صنيع العالم المتحضر فمع تمثال بوذا قامت له الدنيا، واستنكر الحكام والملوك والعلماء وكل وسائل الإعلام، بينما المسجد الإبراهيمي ومسجد بلال يضم إلى التراث اليهودي، والأقصى يحاط بالحفريات ويسعون لهدمه، والقدس تهود وتغير معالمها، والكل يلوذ بالصمت الرهيب، ولا تسمع لأحد همساً، مع عظم الجرم وشدة الخطب ..
يا جميع الأحرار والشرفاء:
أما آن للأحرار والشرفاء من جميع الأديان ومن كل دول العالم أن ينطقوا بكلمة الحق، وأن يطالبوا بعودة الحق لأصحابه، والأخذ على يد الغاصب والمحتل..
أما آن لهؤلاء أن يعلنوها صريحة أن لا أمن لنا ولا راحة لأبنائنا وأحفادنا طالما أن هناك شعباً مشرداً من أرضه، وشعبا جاء من الشتات ليحتلها .. شعباً يحال بينه وبين مقدساته، وآخر يهدم ويعيث فساداً بالمساجد والمقدسات ..
أما آن لكم أيها الشرفاء والأحرار ، ويا أيها المسلمون الأطهار ، ويا أيها العرب الغيورون بعد قرن من الزمان أن تكفكفوا دموع الأطفال واليتامى والثكالى، وتنقذوا الأسرى بل والأسيرات من أهل فلسطين.. وأن تعيدوا الحق لأصحابه، وأن ترجعوا المشردين واللاجئين لأوطانهم، وأن تقلموا أظفار وأنياب أبناء صهيون، حتى يعود للعالم استقراره وأمنه، ويرجع للبشرية سعادتها، ويهنأ الجميع بالسلام..
يا أهلنا في فلسطين:
ثبت الله أقدامكم، وربط على قلوبكم، وأفاض عليكم من خيراته وبركاته، وأمدكم بجند ونصر من عنده، ونحن معكم بكل ما نملك، ولن نتخلى عنكم مهما كانت التضحيات: @831;وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ@830; (آل عمران: 139 – 141).
والله أكبر ولله الحمد..
أكمل قراءة الموضوع ...

حتمًا.. مكرهم إلى زوال

رسالة من أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، أما بعد..
ويمكرون ويمكر الله..
بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام؛ لنشر الهدى والنور بين الناس، فشقَّ الأمر على رؤوس مكة، وأنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوةَ الحق، على الرغم من إقامة الحجة عليهم، فاستكبروا وعاندوا، وجمعوا مكرهم وكيدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه رضوان الله عليهم، فعذبوهم وقاطعوهم وآذوهم، ولكنهم لم يفلحوا في صدِّهم عن دعوة الحق, بل ازداد المؤمنون إيمانًا فوق إيمانهم، يقول تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 30).

وهذا طريقنا، تأتي فيه الشدائد لتصنع الفرج، فهل تُقعدنا الصعاب عن مضاعفة العمل المستمر لنشر النور والخير، ليس فى بلادنا فقط بل في العالم كله؟!

فهذا العمل المتواصل هو دليل وحقيقة حبِّنا لله عز وجل واتباعنا للنبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31)، فأين نحن من ذلك؟! واليوم الذي يكون فيه المسلمون على هذا المستوى فإن الله يكون مولاهم، فكم أبطلَ الله مكرَ الماكرين، وردَّ كيدَهم في نحرهم، ودبَّر لهم ما لم يستطيعوا الفكاك منه ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ (غافر: 51).

فهل أدركنا هذه الحقيقة؟ والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 54)؛ أي أقوى المدبِّرين في الخفاء ليقابل مكرهم بالخذلان، رغم توفر كل أسباب نجاحه المادية, ويقول تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (إبراهيم: 46)، فهذه هي المعاني التي أراد الصحابة الكرام أن يغرسوها في أبناء أمتنا.. يقول اِبْن عَبَّاس: "مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال"، ويقول الْحَسَن الْبَصْرِي بِأَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الْجِبَال وَلا غَيْرهَا، وَإِنَّمَا عَادَ وَبَال ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

والقانون الإلهي لا يتبدل، والسنَّة الربانية ماضية، في قوله تعالى: ﴿لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية 43)، وتأمَّلوا ما ورد في تقرير من واشنطن بتاريخ 30/3/2008م: "أجريت دراسة على عيِّنة المقاتلين الأمريكان في حرب العراق، الذين يبلغ عددهم (700.000)، العينة هي (2500) مقاتل، وكانت النتائج: 40% منهم أصابتهم أمراض نفسية وعصبية، ومنهم ما وصل إلى أمراض عقلية وهيستيريا، وهنالك محاولات انتحار، فضلاً عن الهروب من العمل.. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (الحشر: من الآية 2)، وحاق المكر السيِّئ بأهله.

المؤامرة الصهيونية والعالم الصامت
ومن مكر اليوم الظاهر للعيان مؤامرة تُرصد لها الأموال الطائلة، تنفَّذ عن طريق منظمات وجماعات يهودية منذ عام 1967م وحتى الآن، تهدف إلى هدم المسجد الأقصى لتفريغ القضية من محتواها وجوهرها، وتمَّ ذلك عن طريق أعمال حفائر، مرَّت بمراحل باءت كلها بالفشل، وما زالت المحاولات مستمرةً، وستبوءُ كلها بالفشل بإذن الله ما دام هناك مرابطون فيه وعلى أكنافه، وما دام هناك رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، يضحُّون ويبذلون وينصرون الله ورسوله، ويدافعون عن مقدساتهم في كل بقاع الأرض.

بدأت المؤامرة في أعقاب احتلالهم للقسم الثاني من القدس في أواخر عام 67، وتمَّ هدم حي المغاربة نهائيًّا، وبدأت الحفائر منذ عام 1968م، واستكملوها عام 1969م، وفي نفس العام تمَّ حرق المسجد الأقصى، وأخيرًا يعلن نتنياهو- من نفس القاعة التي أعلن فيها بن جوريون إعلان دولتهم المزعومة- ضمَّ الحرم الإبراهيمي لآثارهم، تحت مباركة من الصهاينة، الذين قالوا: "القرار هو إنجاز هام وتاريخي"، ويرصدون له 100 مليون دولار؛ بهدف ربط أجيالهم القادمة بدولتهم الغاصبة!.

وفي الوقت الذي تزور فيه وزيرة خارجية أمريكا دولنا العربية، لشحنها ضد إيران، يخيِّم الصمت الرهيب على الأقصى، بينما الصهاينة يغتالون محمود المبحوح في عمق وطننا العربي، وعلى مرأى ومسمع وصمت مخزٍ من العالم كله، ويقمعون أية مبادرة فلسطينية للتعبير عن غضبهم بأرضهم فلسطين، مع استمرار الحصار القاتل على أهلنا في غزة، فأين الصوت العربي المدافع عن حقوق الأمة، والواجب أن تخصص له المؤتمرات، مثل اهتمام أمريكا بإقامة مؤتمرات حول علاقتها بالشرق الأوسط، أو عن مستقبل الإسلام السياسي، أم رضينا أن نكون في عداد المتفرجين؟!

واجباتنا نحو الأمل القادم
سنة الله تعالى في التدافع بين الناس أن تكون الأيام سجالاً بين مكر الماكرين وعمل المؤمنين، وكلما وفَّى المؤمنون بعهدهم مع الله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البقرة: من الآية40) وشروط نصر الله، منحهم الله نصره ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7) وأيَّدهم بعونه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ (التوبة: 33)، وهذا يحتاج منا أن نبد أولاً بإيمان النفوس: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينْ﴾ (آل عمران: 139) ثم الثبات على إسلامنا والاستقامة على النهج القويم، الذي نؤمن به ونسعى إلى تحقيقه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ (هود: من الآية 112)، ثم عبْر عمل متواصل وخالص لوجه الله تعالى، مهما كانت التضحيات والمحن التي تواجهنا.. ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِه﴾ (الحج: من الآية 78).

ولذلك فمِن أولى واجباتنا إزالة حاجز الخوف ممن يمكرون بنا، بعد أن ظهر للعالم أجمع إصرارهم الدائم على الفساد، ومحاربتهم المتواصلة للصلاح وأهل الإصلاح، وبعد أن قضى الله عليهم باليأس من هذا الدين منذ خمسة عشر قرنًا ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: من الآية 3)، فماذا بعد وضوح وعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أمام أبناء الأمة إلا الاتباع لمنهج الإسلام، في صد المشروع الأمريكي الصهيوني، الذي يرمي إلى تركيعنا لإرادتهم، وفرض هيمنتهم، وامتصاص ثرواتنا، وإفساد أبنائنا، والعصف ببيوتنا وهم ينفقون في سبيل ذلك ما لا يُحصى من الإمكانيات المادية والبشرية، ولكنَّ الله تعالى يبشِّرنا بأن كل ذلك المكر سيبور، وأن وعد الله هو الحق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون﴾ (الأنفال: 36)؟!

ولقد رأينا ثمار هذه الدعوة المباركة- رغم كيد الكائدين وحصار الطغاة الظالمين- تتجلَّى في هذا الوعي العميق، والحماس المشتعل في نفوس المسلمين، خاصةً في أوساط الشباب؛ لإحياء هذه الأمة من جديد، تاركين وراءهم كل ملذَّات الدنيا، ومتحرِّرين من معوقاتها وقيودها؛ تحقيقًا لأمر الله تعالى: ﴿أُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينْ﴾ (المائدة: من الآية 23)، فواسع الأمل الذي تُبني به الأمم معقود بيد الشعوب التي تمتلك الإرادة وتستعد للتضحية، فإن بإمكانها أن تقهر هذا المكر، وتغلب هذا الكيد، كما يقف الشعب التركي اليوم وراء قيادته في التصدي لحصار المكائد والمؤامرات.

أخيرًا.. ولن يخلف الله وعده
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُو يَبُورُ﴾ (فاطر: من الآية 10)، فمهما حاولوا من مكر، فقد ظهر زيفهم لأولي البصائر والنهى، يقول الإمام البنا: "فترى كيف يطغى الباطل في صولته، ويعتزُّ بقوته، ويطمئنُّ إلى جبروته، ويغفل عن عين الحق التي ترقبه، حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر.. أبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين، وتأخذ بناصية المهضومين المستضعفين، فإذا الباطل منهارٌ من أساسه، وإذا الحق قائمُ البنيان، متينُ الأركان، وإذا أهله هم الغالبون".

ويقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: 110), جاءت هذه الآيات لتطمئن المؤمنين أن ظروف الاستضعاف ومواجهة أهل البغي والعدوان والإفساد؛ لا تؤثر في إيمانهم، ولا تقدح في صدقهم، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾ (إبراهيم).

يقول الإمام البنا: "وإننا نرقب تأييد الله ونصرته، ومن نصره الله فلا غالب له.. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِيْنَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِيْنَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ﴾ (محمد: 11)، فقوة دعوتنا وحاجة الناس إليها ونَبَالة مقصدنا وتأييد الله إيانا؛ هي عوامل النجاح التي لا تثبت أمامها عقبة، ولا يقف في طريقها عائق.. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
والله أكبر ولله الحمد.
أكمل قراءة الموضوع ...

الرسول.. القدوة والمبشرات

رسالة من: أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..

فلقد جاءنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالنور المبين، والهدي المستقيم، والدين القويم، الذي جمع القبائل المتفرقة، وجعل منهم أمةً واحدةً، وإخوةً متحابِّين، حملوا لواء الحق، ومشعل الهداية، فاستطاعوا في ربع قرن أن ينشروا الرحمة، ويُقيموا العدل، ويحقِّقوا الأمن لكل من أظلَّتهم راية الإسلام، وإن اختلفت عقائدهم، أو تنوَّعت أجناسهم، أو تعدَّدت طبقاتهم، فالجميع في ظل الإسلام سواء.

لقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم دولةً علَّمت الإنسانية لأول مرة مبادئ الحرية والإخاء، وألقت عليها دروس المساواة والعدل والرحمة، وعلَّم به الناس كيف يحيَون سعداء، وكيف يموتون سعداء، وما لنا لا نرفع الرءوس بين العالمين فخارًا ونقول: إن محمدًا علمنا الحرية فلن نستكين، وإن محمدًا علمنا العزة فلن نُستعبد بعد اليوم.

واعلموا أيها الإخوان أن المسلم الحر يأبى الضيم، ويرفض الذل، وأنه حين يهتف "الله أكبر" لا يرضى لغير ربه أن يكون مستعليًا عليه، ولا لغير دينه فوقه سلطانًا واستعلاءً، ولن يصلح حال أمتنا الإسلامية إلا بما صلح به أولها، وإن المسلمين اليوم في حاجة شديدة إلى أن يذكروا محمدًا رسول الله، الذي احتمل الآلام، وصابر المشقَّات في سبيل بناء الإسلام، وإقامة صرحه الشامخ، وإن اقتداءهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك يقضي على اليأس الذي ملأ النفوس، والفساد المستشري في مجتمعاتهم، والظلم الذي عمَّ الأرجاء.

أيها المسلمون في كل مكان..
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمثِّل الحقيقة الكاملة في طفولته، وفي شبابه، وفي كهولته، كما كان المثل الأعلى والأكمل في الطموح، وفي العفة، وفي الصبر، وفي الأمانة، وفي الصدق، وفي الجِدِّ، وفي المزاح، كما كان الشخصية المتكاملة في حياته الخاصة والعامة، وفي عبادته، وفي أسرته، ومع أولاده، وفي فقره، وفي غناه، وفي فرحه، وفي حزنه، وفي غضبه، وفي رضاه، وفي علمه، وفي اجتهاده، وفي حربه، وفي سلمه.

والمسلم الصادق الإيمان، الراجي الأجر من الرحمن، الطامع في أعلى الجنان؛ لا سبيل له إلى ذلك إلا بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

ومن التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم أن تجاهد في سبيل إعادة هديه صلى الله عليه وسلم للحياة، كما تعمل على عودة نور الإسلام إلى الدنيا التي أُظلمت بالفساد والبغي والظلم، ومن رحمة الله بنا أنه تكفَّل لحمَلة هذا الدين بأمرين:
- بحفظ الذكر مكتوبًا، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر)، والحفظ يشمل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؛ لأنها المبينة للذكر.. ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)﴾ (النحل).

- حفظ الذكر عملاً، فما خلت القرون من أمة قائمة بالحق وعلى الحق وعد الله بنصرها، قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ؛ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" (مسلم).

المبشرات بالنصر والتمكين
أيها المسلمون..
وفي وسط الشدة، وفي أحلك الساعات، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبدِّد اليأس الذي قد يتسرَّب إلى النفوس، ويبعث بالأمل في نفوس أصحابه؛ ثقةً في وعد الله.. عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟! أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟! قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ والذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (البخاري).

وفي الهجرة وهو مطارد والطلب من خلفه؛ يَعِدُ سراقة بسوارَي كسرى، وفي غزوة الأحزاب بلغت القلوب الحناجر، وزُلزلوا زلزالاً شديدًا، وبينما هم يحفرون الخندق تعترض الصحابة كدية لا يقدرون عليها، فَأَخَذَ الرسول صلى الله عليه وسلم الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً لَمَعَتْ تَحْتَ الْمِعْوَلِ بُرْقَةٌ، ثُمّ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً أُخْرَى فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بُرْقَةٌ أُخْرَى، وكذلك الضربة الثالثة.. فقال سلمان الفارسي: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا هَذَا الّذِي رَأَيْت لَمَعَ تَحْتَ الْمِعْوَلِ وَأَنْتَ تَضْرِبُ؟ قَالَ: "أَوَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ؟" قَالَ: قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: "أَمّا الْأُولَى فَإِنّ اللّهَ فَتَحَ عَلَيّ بِهَا الْيَمَنَ؛ وَأَمّا الثّانِيَةُ فَإِنّ اللّهَ فَتَحَ عَلَيّ بِهَا الشّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمّا الثّالِثَةُ فَإِنّ اللّهَ فَتَحَ عَلَيّ بِهَا الْمَشْرِقَ".

وتأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم نسوق المبشِّرات التي وعدنا بها ربنا، وأخبرنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم، والتي منها:
(أ) المبشرات من القرآن الكريم:
- أن الله وعدنا بإتمام نوره وإظهار دينه.. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)﴾ (الصف)، فهذا وعدٌ من الله تعالى بظهور دين الحق الإسلام على الدين كله؛ أي على الأديان كلها، وكان وعد الله حقًّا، فلن يُخلف الله وعده، وما زلنا ننتظر تحقيق هذا الوعد: غلبة دين الإسلام وظهوره على جميع الأديان، سماوية أو وضعية.

- وَعْدُ الله بالاستخلاف والتمكين والأمن للمؤمنين.. ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)﴾ (النور)؛ فهو سبحانه كما وعد بالأمن نبَّه إلى أن قبله خوفًا، فإذا وجدتموه فلا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا.

- وَعْدُ الله بالنصر والنجاة والدفاع عن المؤمنين.. ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾ (الروم)، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)﴾ (يونس)، ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)﴾ ( الحج).

- ويتأكد النصر حين تمسهم البأساء والضراء.. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (214)﴾ (البقرة)، فإذا ما وصل البأس أقصى مداه، وأطلَّ اليأس؛ كان الفتح والنصر.. ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾ (يوسف).

- وَعْدُ الله بإحباط عمل من يصدُّون عن سبيل الله، وإن مما يطمئن المسلم ويبشِّره أمام تسخير قوى الباطل وأموالهم للصدِّ عن سبيل الله أنَّ الله وعد بأنهم لن يرجعوا إلا بالخيبة والحسرة والهزيمة مع ما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة:.. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).

(ب) المبشرات من السنة النبوية:
- إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بانتشار الإسلام في العالم كله.. عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزٍّ عَزِيزٍ يُعِزُّ بِهِ الإِسْلاَمَ، أَوْ ذُلٍّ ذَلِيلٍ يُذِلُّ بِهِ الْكُفْرَ"، وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِي مِنْهَا" (مسلم).

- ظهور المجدِّدين في كل قرن.. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا" (أبو داود).

- عودة الخلافة على منهاج النبوة.. عن حُذَيْفَةُ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ" (أحمد).

- الانتصار على اليهود.. عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تُقَاتِلُكُمُ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ" (متفق عليه).

- بقاء الطائفة المنصورة.. عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" (مسلم)، وفي رواية: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (أحمد).

التاريخ شاهد صدق
يا أمة الإسلام..
إن نهضات الأمم جميعًا إنما بدأت على حالٍ من الضعف، يُخيَّل للناظر إليها أن وصولها إلى ما تبتغي ضربٌ من المحال، ومع هذا الخيال فقد حدَّثَنا التاريخ أن الصبر والثبات والحكمة والأناة وصلت بهذه النهضات الضعيفة النشأة، القليلة الوسائل، إلى ذروة ما يرجوه القائمون بها، من توفيق ونجاح.

ومن ذا الذي كان يصدِّق أن الجزيرة العربية- وهي تلك الصحراء الجافة المجدبة- تنبت النور والعرفان، وتسيطر بنفوذ أبنائها الروحي والسياسي على أعظم دول العالم؟! ومن ذا الذي كان يظن أن أبا بكر صاحب القلب الرقيق الليِّن، وقد انتفض الناس عليه، وحار أنصاره في أمرهم؛ يستطيع أن يُخرج في يوم واحد أحد عشر جيشًا، تقمع العصاة، وتقوِّم المعوجّ، وتؤدب الطاغي، وتنتقم من المرتدين، وتستخلص حق الله في الزكاة من المانعين؟!

ومن ذا الذي كان يظن أن صلاح الدين الأيوبي يقف الأعوام الطوال، فيردّ ملوك أوروبا على أعقابهم مدحورين، مع توافر عددهم وتظاهر جيوشهم؛ حتى اجتمع عليه خمسة وعشرون ملكًا من ملوكهم الأكابر؟

ذلك في التاريخ القديم، وفي التاريخ الحديث أروع المثل على ذلك؛ فمن كان يظن أن حسن البنا مع ستة نفر في مدينة لا تجد فيها إلا آثار المحتل الغاصب سوف يجدِّد الإسلام الصحيح، وينشر نوره إلى كل قرى مصر، ومنها إلى كل أنحاء العالم، وأضحت تغيظ الأعداء ويتحقَّق فيهم هذا المثل: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾ (محمد).

أيها الناس أجمعون.. أيها المسلمون في كل مكان..
أحب أن تعلموا أن (الإخوان المسلمين) ليسوا يائسين رغم كل هذا الظلم والفساد والاستبداد، وهم وأمثالهم المجاهدون في كل مكان ينالهم النصيب الأوفى وبإذن الله الأجر الجزيل، وأنهم ليأملون خيرًا كثيرًا، ونعتقد أنه لا يحُول بين الناس والنجاح إلا هذا اليأس، فإذا قَوِيَ الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله تعالى، وكل ما حولنا يبشر بالأمل رغم تشاؤم المتشائمين.. إنك إذا دخلت على مريض فوجدته تدرَّج من كلام إلى صمت، ومن حركة إلى سكون، شعرت بقرب نهايته، وعسر شفائه واستفحال دائه، فإذا انعكس الأمر، وأخذ يتدرَّج من صمت إلى كلام، ومن همود إلى حركة، شعرت بقرب شفائه وتقدُّمه في طريق الصحة والعافية.

ولقد أتى على الدول الإسلامية حينٌ من الدهر، جمدت فيه؛ حتى ملَّها الجمود، وسكنت حتى أعياها السكون، ولكنها الآن تغلي غليانًا بيقظة شاملة في كل مناحي الحياة، وتضطرم اضطرامًا بالمشاعر الحيَّة القوية والأحاسيس الجيَّاشة، ولولا ثقل القيود من جهة والفوضى في التوجيه من جهة أخرى لكان لهذه اليقظة أروع الآثار.

لهذا لسنا يائسين أبدًا، وآيات الله تبارك وتعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وسنته تعالى في تربية الأمم وإنهاض الشعوب بعد أن تشرف على الفناء، وما قصه علينا في كتابه.. كل ذلك ينادينا بالأمل الواسع، ويرشدنا إلى طريق النهوض، واقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص).

تقرأ هذه الآية الكريمة فترى كيف يطغى الباطل في صولته، ويغتر بقوته، ويطمئن إلى جبروته، ويغفل عن عين الحق التي ترقبه؛ حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله أخذَ عزيز مقتدر، وأبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين، فهو سبحانه وتعالى القائل فى حديثه القدسى لدعوة المظلوم: "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين"، وهو الذي أخذ بناصية المهضومين المستضعفين، فإذا الباطل منهارٌ من أساسه، وإذا الحق قائمُ البنيان متينُ الأركان، وإذا أهله هم الغالبون، وليس بعد هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات كتاب الله عذرٌ في اليأس والقنوط لأمة من أمم الإسلام، تؤمن بالله ورسوله وكتابه.

فاستبشروا أيها المسلمون بالخير، واعملوا لتحقيقه، واثبتوا حتى يأتي أمر الله.. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21)﴾ (يوسف).
أكمل قراءة الموضوع ...

الرسول القدوة والإبتلاءات

رسالة من: أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد..
ففي ذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رحمة الله للعالمين والقدوة البشرية السامية؛ سنتناول بعون الله وتوفيقه على مدار رسالتين موضوعين متكاملين؛ الأول: كيف واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الابتلاءات، والثاني: الرسول القدوة والمبشرات.

أولاً: الابتلاءات
عندما نتدبَّر آيات الله عز وجل في القرآن التي حدثتنا عن ابتلاءات الأنبياء والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، سنجد أنها سنةٌ لا تتخلَّف أن يكون هؤلاء الرهط الكريم أكرم الخلق على الله أشدَّ الناس بلاءً "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"، وقد تعدَّدت صور الابتلاءات، وتنوَّعت لكل رسول ونبي على حدة.

وعلى رأس الجميع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، فكمُّ الابتلاءات التي تعرَّض لها وتنوُّعها لم تجتمع على إنسان واحد قط؛ كي يكون بحق قدوةً لكل مبتلًى وكل مظلوم وكل من كُذِّب وأوذي.. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).
 
فها هو يعاني من اليتم المزدوج للأبوين، وكذلك الاغتراب منذ طفولته، والفقر وضيق ذات اليد؛ حتى يعمل راعيًا للغنم، ثم قاسى وفاة الجد ووفاة العم ووفاة الزوجة ووفاة الابن وطلاق البنتين، وابتلاء حمل الرسالة، وثقل الأمانة في مواجهة الصدِّ والتكذيب والإيذاء وضربه بالحجارة، وإلقاء سلا الجزور على ظهره الشريف، وإيذاء أتباعه بكل صنوف العذاب، ثم الحصار والمقاطعة والسجن في شعب أبي طالب "ما لهم من طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت الأشداق"، وهو ما لم يحدث في أي سجن من السجون حتى الآن.

وكان الصحابة يستغيثون به، لعل دعوةً واحدةً مستجابةً ترفع عنهم هذا البلاء، وقد كان ذلك ممكنًا لولا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن هذه سنة الله في أصحاب الدعوات؛ لقول الله عز وجل ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155).

من هم هؤلاء؟! ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)، أي أننا نحن وما نملك ملكٌ لله، وكلنا وما تحت أيدينا عاريةٌ مستردَّة، سيأخذها صاحبها وقت ما يشاء.

لذلك كان صلى الله عليه وسلم يضرب للصحابة مثلاً أصعب مما هم فيه من التعذيب والأذى، وهو ما حدث لأصحاب عيسى ابن مريم عليه السلام؛ ليؤكد لهم أن هذه ضريبة الدعوات وثمن الجنة لمن أراد أن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، فسلعة الله غالية، وليس أمامهم إلا الثبات حتى يُظهر الله هذا الدين أو نهلك دونه.

وقد عُرضت عليه كلُّ الإغراءات، يا من تظنون أننا طلاب سلطة.. لو أردت مُلكًا ملَّكناك، ولو أردت مالاً جمعنا لك المال حتى صرت أغنانا، فكان ردُّه صلى الله عليه وسلم: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

ولقد حذَّره ربه- ونحن من بعده-: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ﴾ (المائدة: من الآية 49)، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: 9)، ومن هنا وبناءً على هذه القواعد الأصلية علَّمَنا الأستاذ البنا رحمة الله عليه أن ما يصيبنا في هذا الطريق إنما هو من العلامات الدالَّة على سلامة الطريق وصدق التوجه.. "ستُسجنون وتُشرَّدون وتُنقَلون وتُصادَر أموالُكم، وسيستغربون فهمَكم للإسلام عندها تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات".

حتى لا يظن أحد أن هذه الابتلاءات سببها أننا دخلنا المعترك السياسي، وأننا ننافس في الانتخابات، وأننا لو توقفنا عن ذلك وانكفأنا على ذاتنا وحصرنا دورنا في العمل الدعوي والتربوي لأنقذْنا أنفسنا وإخواننا وجماعتنا من هذا الظلم والاضطهاد والسجون والمعتقلات ومصادرة الأموال وتفزيع الزوجات والأولاد والبنات والآباء والأمهات، وهذا وهمٌ؛ لأنهم لا يحاربوننا من أجل الإقصاء السياسي أو الاستئثار بالبرلمان والنقابات والاتحادات والأندية.. كلا وألف كلا.. والله لو تركناهم وشأنهم ما تركونا وشأننا.

أما السبب الحقيقي فهو الحق الذي نحمله، والإسلام الشامل الذي ننادي به كما قال ورقة بن نوفل ابن عم أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم "فما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي"، وإننا وهم في سفينة واحدة يحاولون خرقها، ونحن أمرنا بأن نقف في وجه إفسادهم لننجو وسينجون معنا إن استجابوا.

وكانت السيدة خديجة رضي الله عنها ثاقبةَ النظرة، أوتيت الحكمة، هي هي التي قالت إنه صلى الله عليه وسلم "يقري الضيف، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، ويكسب المعدوم"، ونحن نحاول أن نقدم ما أمرنا به الإسلام، وقدَّمه لنا قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعمال البر والخير، فلم يزدهم ذلك إلا اضطهادًا لنا وإغلاقًا لمدارسنا ومصادرةً لجمعياتنا الخيرية ومستوصفاتنا التي تحمل الخير والبر والعلاج لكل أبناء الوطن، مسلمين ومسيحيين.

وهي هي أيضًا التي طمأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وطمأنتنا من بعده ما دمتم تقومون بما قام به رسولكم الكريم "والله لن يخزيك الله أبدًا"؛ لأنه من السنن الإلهية أن من يفعل ذلك سيعاديه أهل الباطل وجنود الشيطان، ولكن العاقبة دائمًا للمتقين وقد كانت وستظل.

ولقد كان كل همِّه صلى الله عليه وسلم البحث عن حصانة للدعوة وحماية لها، لا عن نجاة له من الأذى "من يؤويني حتى أبلغ دعوة ربي".. "حتى يظهره الله أو أهلك دونه"؛ لذا كان هتافك الدائم "الجهاد سبيلنا" بكل صوره وعلى قدر إمكانات كل فرد فينا؛ فهو ذروة سنام الإسلام، وأفضله كلمة حق (فقط) عند سلطان جائر، انظروا كيف تكون عند الله قيمة كلمة الحق مهما كانت نتائجها، حتى ولو كانت قتل قائلها، عندها سيكون فعلاً الموت في سبيل الله- على أي جنب وفي أي حال وفي أي مكان- أسمى أمانينا.

وكأني برسول الله صلى الله عليه و سلم في سيرته العطرة الزكية يقول لنا بلسان الحال: هل تظنون أن الابتلاءات ستتوقف حتى بعد التمكين وإقامة الدولة الإسلامية، والتي كان قائدها وزعيمها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ليس هذا ما حدث.. نعم، إن الابتلاء هو الابتلاء، والاختبارات هي هي الاختبارات ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 141)، والنتائج هي هي نفس النتائج من باع نفسه وماله لله لا يقترح على الله كيف ومتى يأخذها أو يأخذ بعضها فكلنا لله وكلنا إليه راجعون.

ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مَكَّن الله له ولصحابته يُؤذي أذى يترك إصاباتٍ مستديمةً تلازمه حتى لقي ربه.. كُسرت رباعيته وشُجَّ وجهه، وغابت حلقتا المغفر في وجنتيه الشريفتين، كل هذا حتى يكون الدرس أقوى والأذى أبلغ في نفس كل من تسبَّب في إيذاء رسول الله من الرماة الذين خالفوا أمره.

بل كان أكثر ما يؤلم المؤمنين الصادقين أن نَجَم النفاق في المدينة بكل مشكلاته عندما بدأت الدنيا تُفتح عليهم، فهل هناك راحة لمؤمن من كل أصناف الابتلاءات إلا أن يثبته الله على أي حال كان، فلا يغير ولا يبدِّل حتى يلقى ربه وهو عنه راضٍ، فتكون راحته فعلاً في لقاء ربه.

ولقد مرَّ عليه وعلى المسلمين حوالي ثلاثين غزوة وسرية بتوابعها في عشر سنوات فقط.

وفي مرضه الأخير صلى الله عليه وسلم كان يوعك كما يوعك رجلان، ويؤلمه أبهره، ويعاني من آثار السم الذي وضعته له اليهودية كل عام في نفس الميعاد.

وأسرُّ في أذن كل أخ حبيب بقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (النساء: 83) لا يمنعك أحد من التفكير في الأفضل، فالتفكير والتفكر فريضة لها أجرها، نعم لا بأس يا أخي من الاقتراح حتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي علَّمنا وشجَّعنا على هذا، ولكن ضع اقتراحك عند قيادتك حتى تتمَّ بركة الشورى وتخلص من حظِّ النفس، كان بعض الصحابة يقول هذا رأيي وأرجو ألا يُعمل به؛ لأن حبَّ الظهور يقصم الظهور، وبعد اتخاذ القرار ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 159).

وأنتم أيها الأحباب خلف الأسوار في السجون والمعتقلات..
لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ، فاصبروا واحتسبوا، واجعلوا حلاوة الأجر تُنسيكم مرارة الصبر، وعما قريب بإذن الله ستقولون ذهب السجن وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، وانظروا في دينكم إلى من هو أعلى منكم وفي دنياكم إلى من هو أدنى منكم، يكتبكم الله صابرين شاكرين، فرَّج الله كربكم وكرب إخوانكم، بل وأخواتكم الأسيرات في سجون العدو الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، وخلفكم وخلفهم وخلفهنَّ في الأهل والولد والدعوة بخير ما يخلف به عباده الصالحين.. ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)﴾ (فصلت).. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21)﴾ (يوسف).
أكمل قراءة الموضوع ...

الإمام البنا وقضايا الأمة

كتب - أ.د. محمد بديع - المرشد العام للإخوان المسلمين :

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومَن والاه.
ها هي ذي الأيام تمضي، والسنون تتعاقب، وتحمل في طيَّاتها من الأحداث والمحن التي ظنَّها أعداء الله أنها ماحقة حالقة؛ لكنها ما زادت الإخوان إلا ثباتًا على مبادئهم، وإيمانًا بدعوتهم، واستمرارًا في بذلهم وعطائهم من أجل دينهم وفكرتهم ووطنهم، غير ناظرين إلى دنيا يصيبونها أو مغانم يرزقونها، مترسمين خُطى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مع المسيرة المباركة لا تزال الراية في القلوب خفَّاقة، وفي الأعناق أمانة، وفي السلوك التزام، وفي العمل قربة وجهاد.

وأشد ما يُفرح العاملين الصادقين المتمسكين أن ترتفع هذه الراية لتظلهم، وتؤمِّن مسيرتهم ضد مَن يتربصون بالإسلام والمسلمين, فيحاولون إجهاض كل عملٍ إسلامي بنَّاء, وحتى يطمئن الجميع سيما مَن في قلوبهم وجلٌ من دعوة الإخوان المسلمين، نسوق إليهم فِكْرَ الإمام البنا ومواقفه من قضايا الأمة، والتي شغلت الكُتَّاب والمفكرين والعاملين على مدى العقود الثمانية الماضية, فقد انشغل البنا بقضايا العالم الإسلامي والأمة الإسلامية في الداخل والخارج، وبخاصة القضية الفلسطينية التي حظيت من الإمام الشهيد باهتمامٍ بالغٍ حتى لا تُذكر فلسطين إلا ويُذكر معها الإخوان المسلمون.

وقد عبَّر الإمام البنا عن ذلك بقوله: "فلسطين تحتل في نفوسنا موضعًا روحيًّا وقدسيًا فوق المعنى الوطني المجرد، إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة وبركات النبيين والصدِّيقين ومهد المسيح عليه السلام، وفي كل ذلك ما ينعش النفوس ويُغذي الأرواح".

وقضية فلسطين لدى الإمام الشهيد في المقام الأول هي قضية الإسلام وأهله، كما قال: "قلب أوطاننا، وفلذة كبد أرضنا، وخلاصة رأسمالنا، وحجر الزاوية في جامعتنا ووحدتنا، وعليها يتوقف عز الإسلام وخذلانه".

لقد جعل البنا من القضية الفلسطينية قضية العروبة والإسلام في القرن العشرين؛ فقد شارك الإخوان في الجهاد في فلسطين منذ الثلاثينيات، ففي عام 1935م اتصل البنا بالمجاهد "عز الدين القسَّام"، وفي عام 1936م وجَّه نداءً حارًّا عامًّا للإخوان المسلمين للتبرع وجمع المال لدعم المجاهدين أثناء الانتفاضة الكبرى في فلسطين, كما تمَّ عقد مؤتمر عربي حاشد من أجل فلسطين بالمركز العام للإخوان المسلمين بمصر عام 1938م، شارك فيه زعماء العالم العربي، وفي عام 1947م واستجابةً لنداء الإخوان تشكَّلت هيئة من مختلف القوى السياسية في مصر هي "هيئة وادي النيل لإنقاذ القدس".

كما شارك الإخوان في الجهاد، وأرسلوا كتائبهم بعد قرار التقسيم عام 1947م، وكانت لهم صولات وجولات شَهِدَ بها العالم أجمع، وسطَّروا بدماء شهدائهم ملامح البطولة مع إخوانهم في فلسطين، والذي لحق بهم الإمام البنا شهيدًا عام 1949م.

البنا والوطنية
يرى الإمام البنا أن الوطنية بمعنى حب البلد والحنين إليه، والعمل لتحريره وتقويته، وتقوية الرابطة بين أفراده بما يعود بالخير عليهم، فكرة صائبة يُقرها الإسلام، ومن ثمَّ فنحن نؤمن بها ونعمل لها، كما يذكر الإمام البنا أن الإخوان المسلمين أشدُّ الناس إخلاصًا لأوطانهم وتفانيًا في خدمتها، وأن أساس الوطنية عندهم هي العقيدة التي هي فوق كل اعتبار.

وفي رسالة إلى الشباب يُذكِّر البنا أن الإخوان يعملون لوطنهم مصر، ويجاهدون في سبيله، ويفنون في هذا الجهاد؛ لأن مصر من أرض الإسلام وزعيمة أممه، وأن هذه هي الحلقة الأولى في سلسلة النهضة المنشودة، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة وللشرق وللإسلام، ومن ثَمَّ فإن هذا الموقف من الوطنية الذي تبنَّاه الإمام البنا يربِّي في الفرد شعور الانتماء إلى مصر والإحساس بالمسئولية تجاهها، ويبعث على العمل لتحررها ورقيها، وفي نفس الوقت يُوسِّع أفق الوطن، باعتبار أن مصر هي الحلقة الأولى من حلقات النهضة.

البنا والوحدة العربية
يوضح الإمام البنا أن العروبةَ لها في دعوة الإخوان مكانٌ بارزٌ، فالعرب هم أمة الإسلام الأولى، والإسلام نشأ عربيًّا، ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه الكريم بلسانٍ عربي مبين، وتوحَّدت الأمم باسمه على هذا اللسان، فالعرب هم عصبة الإسلام، وحذَّّر الإمام من سلخ مصر عن العروبة، مبينًا أن التمسك بالعروبة والقومية العربية يجعل مصر أمةً تمتد جذورها من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي.

وأوضح البنا أن وحدة العرب أمرٌ لا بدَّ منه لإعادة دولة الإسلام ومجده، وأنه يجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وأنه دون اجتمـاع كلمة الشعوب العربية ونهضتها لن ينهض الإسلام، ويقول: "والجامعة العربية في وضعها الصحيح الذي يجعلها جامعة حقيقية تضم كل عربي على وجه الأرض في المشرق والمغرب، وتستطيع أن تقول كلمتها فيحترم هذه الكلمة العرب وغير العرب، هذه الجامعة العربية من واجبنا أن نعمل على تقويتها وتدعيمها، ومن حقنا أن يعترف الناس بها، وأن يقدِّروها قدرها، وأن يؤمنوا بأنها حين تقوى وتعز ستكون من أقوى دعائم الإسلام العالمي".

ولقد تبنَّى الإخوان قضايا العالم العربي جميعًا، وخاصة قضية تحرير الدول العربية من الاستعمار الغربي، وقضية الوحدة العربية، وامتلأت كل رسائلهم وصحفهم بأخبار العالم العربي والدفاع عن قضاياه والتوعية بأوضاعه السياسية والعسكرية، ولا شك أن دخولهم الفعلي في حرب فلسطين عام 1948م هو أكبر دليل واقعي على مدى سيطرة هذا الشعور العربي بالمضمون الإسلامي على الإخوان الذين تطوَّعوا للجهاد في فلسطين.

البنا وقضية المرأة
عنى الإمام البنا بالمرأة عنايةً كبيرةً؛ فقد أدرك منذ البداية أهمية دور المرأة والطاقات الاجتماعية الهائلة للنساء، وقد تجلَّى ذلك بوضوح في حرصه على إنشاء مدرسة "الأخوات المسلمات" التي لم تقتصر على تقديم التعليم العام للفتيات، وإنما اهتمت إلى جانب ذلك بتربيتهن على القيم والأخلاق الإسلامية، وتعتبر تلك التجربة أول محاولة جادة في الوطن العربي- في العصر الحديث- للنهوض بالمرأة، وتنميتها فكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا؛ للمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية لأمتها.

يقول الإمام البنا في (رسالة المرأة المسلمة): "والإسلام جعل المرأة شريكة الرجل في الحقوق والواجبات، إذْ هي كفء الرجل في إنسانيته ومساوية له في القدر، وأنه اعترافٌ لها بحقوقها الشخصية كاملةً وبحقوقها المدنية كاملةً، وبحقوقها السياسية كاملةً أيضًا، وعاملها على أنها إنسان كامل الإنسانية له حق وعليه واجب".

البنا والأقباط
تناول الإمام البنا في أكثر من رسالة وخطاب الموقف من الأقليات، وخاصةً الأقباط، فيقول في رسالة (دعوتنا): "إن الإسلام دين الوحدة ودين المساواة، وأنه كفل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة)، فمن أين يأتي التفريق إذن؟

وفي رسالة (نحو النور) يقول: "إن الإسلام يحمي الأقليات عن طريق: أنه قدَّس الوحدة الإنسانية العامة والوحدة الدينية العامة بأن فرض على المؤمنين به الإيمان بكل الرسالات السابقة، ثم قدَّس الوحدة الدينية الخاصة في غير تعدٍّ ولا كبر، ويقول إن هذا هو (مزاج الإسلام المعتدل) لا يكون سببًا في تمزيق وحدة متصلة، بل يُكسب هذه الوحدة صفةَ القداسة الدينية، بعد أن كانت تستمد قوتها من نصٍّ مدني فقط".

كما أوصى في رسالةٍ إلى الشباب بإنصاف الأقباط وحسن معاملتهم بقوله: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"؛ فلا ندعو إلى فرقة عنصرية ولا إلى عصبية طائفية.

البنا والنظام الاقتصادي

دعا الإمام البنا إلى الاستقلال الاقتصادي عن السيطرة الأجنبية والنهوض بالاقتصاد الوطني، ونادى بكثيرٍ من المطالب التي تُحقق ذلك مثل تشجيع الصناعات اليدوية، والتحول إلى الصناعة بجانب الزراعة، وإرشاد الشعوب الإسلامية إلى التقليل من الكماليات، والعناية بالمشروعات الوطنية.

وقد تجاوز الإخوان الدعوة النظرية إلى النهوض والاستقلال الاقتصادي؛ فدعوا إلى مقاطعة البضائع والمحلات والشركات الأجنبية، وقاموا بتأسيس العديد من الشركات الاقتصادية المساهمة، كما تبنُّوا مطالب العمال وحقوقهم في صحافتهم وكتبهم.

البنا والنظام الدستوري
يقول الإمام البنا في (رسالة المؤتمر الخامس): "إن طبيعة الإسلام التي تساير العصور والأمم، وتتسع لكل الأغراض والمطالب، لا تأبى أبدًا الاستفادة من كل نظامٍ صالحٍ لا يتعارض مع قواعده الكلية وأصوله العامة"، ولقد طبَّق الإمام البنا هذا المنهج على الموقف من النظام النيابي والدستوري الذي تبلور في تجارب الديمقراطيات الغربية، فقال في (رسالة نحو النور): "إنه ليس في قواعد هذا النظام النيابي الذي نقلناه عن أوروبا ما يتنافى مع القواعد التي وصفها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيدًا عن النظام الإسلامي ولا غريبًا عنه".

فالمبادئ والمقاصد التي جاء بها الإسلام في سياسة الأمة والدولة يمكن أن تحققها "النظم المدنية" "والتجارب الإنسانية" التي هي إبداع إنساني، والمعيار في القبول والرفض هو مدى تحقيق هذه النظم لمقاصد الإسلام في إشراك الأمة في سلطة صنع القرارات وفي تحقيق العدل بين الناس.

هذا هو الإمام الشهيد حسن البنا الذي عاش قضايا أمته بروحه ووجدانه وفكره وعقله، ولا يزال الإخوان المسلمون سائرين على دربه، متمسكين بتلك المبادئ والثوابت القائمة على الكتاب والسنة، وكذلك كانت مواقفه الواضحة من قضايا أمته التي عاش لها، واستُشهد من أجلها، ولقد عرَّف الإمام البنا نفسه في كلماتٍ جامعة عندما سُئِلَ مَن أنت فكان جوابه: أنا سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن يُنشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة في ظلِّ الإسلام الحنيف، ومتجرد أدرك سر وجوده؛ فنادى ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام).
أكمل قراءة الموضوع ...

حسن البنا .. الرجل والمنهج

ونحن نستحضر ذكراه في يوم استشهاده (12 فبراير) الحادي والستين، فإننا ندرك أن الرجل قد مضى إلى ربه راضيًا مرضيًّا، فقد اخترقت الرصاصات الغادرة ليلتها جسدًا أفناه السجود ليلاً بين يدي الله، وأضنته الرحلة في سبيل الله نهارًا في ربوع مصر وقراها، من أقصاها إلى أقصاها، أما الروح والمنهج والبناء الذي أرساه فقد بقي شامخًا، يزداد على مرِّ الزمان رسوخًا وتألقًا، وقد أعطاه الإمام الشهيد المؤسس من دمه الطاهر الزكيِّ وقودًا ومددًا لم ينقطع، بل استمرَّ المدد بدماء الشهداء ودموع الساجدين بين يدي الله، وأنَّات المعذبين في غياهب السجون، وتضرُّعات الملايين من السجناء وأسرهم إلى الله رب العالمين، وثبات الذين ضحَّوا بالغالي والنفيس في سبيل عقيدتهم وفكرتهم ومنهجهم ابتغاءَ رضوان الله رب العالمين؛ فالله غايتهم، والرسول صلى الله عليه وسلم قدوتهم، والجهاد سبيلهم، والشريعة منهجهم، والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم، صدقوا الله فصدقهم الله.
هذا المنهج مرسومةٌ خطواتُه، محددةٌ معالمه، يستقي الحكمة من قول الحق تبارك وتعالى: @831;إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ@830; (الرعد: من الآية 11) وقوله تعالى: @831;ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ@830; (الأنفال: من الآية 53)، وقوله تعالى: @831;قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ@830; (آل عمران: من الآية 165)، وقوله تعالى: @831;وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ@830; (النحل: 112).
وقد أثبتت الأيام ووقائع الزمان منذ أكثر من قرن أن كل تجارب النهوض التي عاشتها الأمة وصلت إلى طريق مسدود، وأننا ما زلنا نبحث عن الاستقلال الحقيقي، والإرادة الحرة، والعدالة الناجزة، والعدل الاجتماعي، ودولة القانون، والحريات العامة، وتداول السلطة، التي يستمدُّها الحكام من الأمة في انتخابات حرة، رغم مرور عصور جرَّبت فيها الأمة حينًا الليبرالية، ومرةً الاشتراكية أو الشيوعية، ومراتٍ الانقلابات العسكرية، فجنينا الشوك والحصرم وعُدْنَا من حيث بدأنا..
ورغم كل ذلك فإن المؤتمرات والمؤامرات التي كانت تنعقد سرًّا خلال قرن من الزمان تنعقد الآن علنًا، جهارًا نهارًا، ويحضرها المسئولون من بني جلدتنا، المعيَّنون بأمر القوى الأجنبية؛ ليتآمروا على أبناء أمتهم، ويراهنوا على دعم الأجانب ضد شعوبهم، ويا للعجب!! مؤتمران في نفس اللحظة في لندن عاصمة الإمبراطورية التي ما زالت تمارس دور المحتل؛ الذي وإن رحلت قواته في مشهد خدَّر مشاعر الملايين فها هي تتآمر- رغم كل لجان التحقيق الشكلية التي لم تغنِ شيئًا- وتتواطأ وتأتمر بأمر قيادة العالم الجديد، عالم الظلم والطغيان والفساد، لإرسال المزيد من القوات وإنفاق المزيد من الأموال، لأي هدف ولأجل أي غرض، لا لشيء إلا لقطع الطريق على نهضة حقيقية في بلاد المسلمين، تتحقَّق بسواعد أبنائها، وتترسَّم خطى نبيِّها، وتسير على منهج إسلامها.
رغم كل الجرائم البشعة التي ما زالت تلك العصابة الإجرامية تمارسها ولن يكون آخرها اغتيال الشهيد "محمود عبد الرءوف المبحوح" في الإمارات العربية المتحدة على يد عملاء الموساد، الذين حضروا برفقة الوزير الصهيوني الذي دنَّس أرضًا عربيةً تحت عَلَم مؤتمر دولي، ويحملون جوازاتٍ أوروبيةً، ورغم عشرات القرارات الدولية؛ فإن العالم كله- ومعه المتخاذلون من قادة الأمة العربية والإسلامية- لا يستطيعون الوقوف في وجه ذلك الاحتلال، ولا يملكون حسابه على جرائمه البشعة، وآخرها استخدام الفوسفور الأبيض المحرَّم دوليًّا، والذي اعترف باستخدامه في حرب غزة منذ عام، بل يدعمونه بالمال والسلاح والعتاد والرجال، بل يؤمِّنون له سلامًا وأمنًا باتفاقيات وجدران، ويمنعون المقاومة الشجاعة من ممارسة حقها المشروع، بل يمارسون عليها كافة الضغوط ويستخدمونها ورقةً في المساومات.
فيا أيها الإخوان.. سيروا على بركة الله.. كونوا أوفياء لعهدكم مع الله.. ادرسوا كتاب الله لتتعلموا منه طريقكم المرسومة خطواته، وتحلَّقوا حول سيرة رسولكم صلى الله عليه وسلم لتعلموا أن منهجكم إنما هو التطبيق العصري العملي لسيرة نبيكم صلى الله عليه وسلم.
اعملوا.. واعملوا.. واعملوا.. ولا تيأسوا؛ فالمستقبل لدعوتكم، والنصر لأمتكم.. @831;وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ@830; (التوبة: من الآية 105) صدق الله العظيم.
أكمل قراءة الموضوع ...

حاجة الأمة إلى التحرر من كل سلطان أجنبي



لقد أصبح الإسلام اليوم هو المبدأ الثابت لشعوب أمتنا، الذي يدفعها في نهضتها، وهي في طريق التحرر من السلطان الأجنبي والاستبداد الداخلي، لاستعادة الحياة الكريمة في كل جوانب شئونها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، بتوجهها وولائها لله وحده، يقول تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(النحل:97)




إن المتأمل اليوم لحال أمتنا، يرى حاجتها الماسة للتحرر من كل سلطان أجنبي : سواء كان ممثلاً بالاحتلال العسكري في أفغانستان والعراق وفلسطين، أو باختفاء الاستقلالية في امتلاك القرار، ورفض الإملاءات، ومواجهة الإغراءات، خاصة أن آثار هذه الهيمنة تترى كل يوم أمام أعيننا، بما يحدث من مذابح ومجازر، تقتل الأبرياء، وتدمر المدن، وتهدم الحياة الآمنة، فماذا بعد أن ظهر للعالم أجمع أن حكومات أمتنا لا تستطيع أن تتخذ قراراً لصالح شعبها، أو لصالح بقائها، إلا بموافقة أمريكا وإسرائيل، ونحوا الإسلام الذي فيه حريتهم جانباً : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ....)(النحل:107), وما الذي غيب عنهم الحقيقة، وأعماهم عن الحق : (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)(الاسراء:72), ويشهد على ذلك ما يحدث الآن في غزة من حرب الجدران للإمعان في حصار الأبرياء، مما جعل نتنياهو يشرف من حدودنا المصرية، على بناء الجدار الثالث الشائك، بعد الجدارين الأسمنتي والفولاذي .
أو ما يحدث من صراعات داخلية في اليمن والسودان والصومال وباكستان واندونسيا ونيجيريا، بإحداث الفتن وافتعال المواقف، بين المسلم والمسلم، أو بين المسلم والمسيحي، لإفساح الطريق أمام المخطط الصهيوني الأمريكي، في الهيمنة والسيطرة والتدخل في الشأن الداخلي، ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا )(البقرة: من الآية217), وهاهي لجنة الكونجرس الأمريكي التي ترأسها يهودية باسم تقييم الحريات الدينية خارج أمريكا، والمرفوضة من الشعب المصري، تأتي لتدعي سلفاً وجود الطائفية والاضطهاد، في وقت ما شكى أحد في مصر منهما، بل رأينا الحقيقة المصرية، حينما حمل أئمة المساجد جثث أربعة مسيحيين ماتوا خنقاً لإنقاذ زميلهم المسلم، هذه هي مصر التي لا يعرفونها ! .
والطريق إلى هذا التحرر يبدأ من الفرد، بتحرير العقل والروح معاً، فيتحرر من الجهل والخوف والرذيلة والجوع والمرض والمهانة، وهو ما يبعث فيه الايمان ليبدد اليأس، ويرسخ الأمل، وبهذه القوة الروحية نستطيع أن نسلك خطوات التحرير، التي لا لبس فيها ولا غموض، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(الحج:54)، فالتحرر الذي هو الهداية إلى الصراط المستقيم، يبدأ من تطبيق الإسلام ثم الوحدة ثم نهضة الأمة، ويعتمد على سواعد وجهود أبنائها في كل مكان، فحاجتنا إلى العمل، باتت اليوم هي مفتاح المستقبل المأمول، ولا مجال للأقوال أوالكلمات : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(التوبة:105), فليس غير الإسلام يحيي الأمل في نفوس اليائسين، ويحيي مفاهيم التحرر والاستقلال والمقاومة، ويقضي على السلبية والانهزامية ببعثه للايجابية وروح العمل في النفوس .
اجتهدوا لتحقيق حب مصر في نفوس الشعب، وشاركوا في كل ميدان لتروا أروع الأمثلة، في التفاني وإخلاص العمل وعلو روح النجدة، فإن للإخوان سوابق في النجدة والهمة، حينما انتشر وباء الملاريا سنة 1945، وحينما انتشر وباء الكوليرا سنة 1947، ويومها وضع الإمام البنا (70 ألفاً) من الإخوان تحت إمرة المسئولين في وزارة الصحة، رافضاً المكافآت التي رصدتها الحكومة لبلاء الإخوان، ورضي الله عن الإمام البنا وهو يصف الإخوان قائلاً : (تقلبت الحكومات وتغيرت الدولات، وهم يجاهدون مع المجاهدين، ويعملون مع العاملين، منصرفين إلى ميدان مثمر منتج، هو ميدان الأمة وتنبيه الشعب ) .
فالإخوان يا أبناءها في كل مكان، مع الحركة الوطنية، يمدون أيديهم بالمشاركة، ويسعون إلى توحيد الجهود، لصالح الأوطان ونهضتها وتحريرها، فهم يبثون روح الوطنية، ويصلحون أي تعدي على حقوق الشعوب، ويتعاونون على استكمال الحرية في كل قطر من الأقطار الإسلامية، وليس ذلك على سبيل طمأننة الناس، فنحن لم نفزعهم، بل على مَن أفزعهم بالارتماء في أحضان السلطان الأجنبي أن يطمأنهم، فمن الوثائق الفرنسية المنشورة مؤخراً : (لقد أرهقنا الإخوان المسلمون من كثرة ما أرسلوا إلينا " أي السفارة الفرنسية بالقاهرة " من العرائض التي تندد ببقائنا في الجزائر، وسائر دول شمال أفريقيا ) .
أكمل قراءة الموضوع ...